عيسى البندنيجي القادري
54
جامع الأنوار في مناقب الأخيار
الغنى العقل ، وأفقر الفقر الجهل ، وأوحش الوحشة العجب ، وأكرم الكرم حسن الخلق ، قال : فما الأربع الأخر . قال : إياك ومصاحبة الأحمق ، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، وإياك ومصادقة الكذوب ، فإنه يقرب عليك البعيد ، ويبعد عليك القريب ، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يخذلك في [ مالك ] أحوج ما تكون إليه ، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه . ومن جواهر كلامه : الفقيه كل الفقيه من لا يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يرخّص لهم في معاصي الله ، ولم يؤمنهم عذاب الله ، ولم يدع القرآن رغبة منه إلى غيره ، وإنه لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا علم لا فهم معه ، ولا قراءة لا تدبر فيها ، إمام عادل خير من مطر وابل ، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم ، وقال لما سئل عن القدر : طريق مظلم لا تسلكه ، بحر عميق لا تلجه ، سرّ الله قد خفي عليك لا تفشه ، أيها السائل إن الله تعالى خلقك لما شاء أو لما شئت ؟ قال بل لما شاء ، قال : فيستعملك كما شاء « 1 » ، إن للنكبات نهايات لا بد لأحد إذا نكب أن ينتهي إليها ، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها ، فإن رفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها ، وسئل عن السخاء فقال : ما كان منه ابتداء ، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم ، وقال له عدوه ، ثبتك الله قال : على صدرك ، وكان يقول : التقوى ترك الإصرار على المعصية ، وترك الإصرار بالطاعة ، وكان يقول القلوب أوعية وخيرها أوعاها ، ثم يقول آه آه إن ههنا علما ويشير إلى صدره ، لو أصبت له حملة ، وكان يقول موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربه خير من موته طفلا ولو دخل الجنة بغير حساب ، قلت لأن الكمال فوق النقصان ولا كمال فوق معرفته تعالى ، إذ هي الحكمة في إيجاد العالم كما ورد في أحد وجوه تفسير قوله تعالى ، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني ، أي ليعرفوني ، ونطق به الحديث
--> ( 1 ) في شرح نهج البلاغة 19 / 181 : « قال عليه السلام وقد سئل عن القدر : طريق مظلم فلا تسلكوه ، ثم سئل ثانيا فقال : بحر عميق فلا تلجوه ، ثم سئل ثالثا ، فقال : سرّ الله فلا تتكلفوه » وما بعده لم يرد في النهج